الذكاء والتحصيل الدراسي

معنــى الذكـــاء
الذكــاء عند عامة الناس مرادف ( للنباهــة) وهي يقظــة المرء وحسن إنتباهه وتفطنه لما يدور حوله ولما يقوم به من أعمال, وهم يصفون بالذكاء كذلك الشخص حسن التصرف الذي يصطنع الحيلة لبلوغ أهدافــه والذي يقدر على التبصر في عواقب أعمالــه, كمــا يميلون عادة إلى اعتبار الذكــاء قدرة عامة شامــلة يبدو أثرهـا في ميادين مختلفة, فالذكــي في ميدان التجارة يغلب أن يكون ذكيــاً في ميدان السياسة أو الخدمة الاجتماعيــة أو في معالجة مشاكل أطفالــه, هذا إلى أنهم يرونــه موهبــة طبيعية لا قدرة يكتسبها الفرد عن طريق الخبرة والتعلم والتحصيــل, فهم يفرقون بين العلم والثقافــة, يضاف إلى هذا أن الناس يفرقون في العادة بين الذكاء وبين الصفات الخلقيــة أو الاجتماعيــة فيقال أن فلانــاً ضعيف الإرادة أو حاد المزاج بالرغم من ذكائــه.
أمــا علمــاء النفس فقد تقدموا بتعريـفات مختلفة متعددة كثـيـرة , حتــى أنه منذ أكثــر من 50 عامــاً أجرت مجلــة ( علم النفس التربوي) الأمريكيـة استفتاء للوصول إلى تعريف للذكاء وجه إلى قادة حركــة القياس العقلــي في ذلك الوقت طلب فيه تحديد معنــى الذكــاء وكانت النتيجــة أن تلقت عدداً من الاجابات ( بقدر عدد العلمــاء) الذين شاركوا بالاستفتاء.
ويمكــن تعميم عرض سريع ومحدد لخمســـة اتجاهات توجز تلك الإجابات:

اتجاه التوافق مع البيئــة
أ ـ شتيرن : الذكــاء هو القدرة على التكيــف العقلــي لمشكلات الحياة وظروفهــا الجديدة.
ب ـ بينتز : الذكــاء هو القدرة على التكيف بنجاح مع ما يستجد في الحياة من علاقات.
ج ـ كروز : الذكـــاء هو القدرة على التوافق الملائم للمواقف الجديدة المختلفــة مع وجود الفوارق بين فرد وفرد في قدرتــه.
د ـ من : الذكـــاء هو المرونـــة على التوافق في شتى مستويات التطور.
2ـ اتجاه القدرة على التعلم أو ( الاستعداد للتعلم):
أ ـ كولفن : الذكـــاء هو القدرة على تعلم التكيف مع البيــئة.
ب ـ وودور : الذكـــاء هو القدرة على إكتساب الخبرات.
ج ـ جودار : الذكــــاء هو القدرة على الاستفادة من الخبرات السابقــة في حل المشكلات الجديدة.
3ـ اتجاه القدرة على التفكـيــر:
أ ـ تيرمان : الذكـــاء هو القدرة على التفكـيــر المجرد.
ب ـ سبيرمان : الذكـــاء هو القدرة على تجريد العلاقات والمتعلقات في القدرة على الاستقراء والاستنباط.
ج ـ ميومان : الذكــــاء هو الاستعداد للتفكيـــر الاستقلالي الابتكاري الانتاجــي.
د ـ بينيه : الذكـــاء هو القدرة على الفهم والابتكار والتوجه الهادف للسلوك والنقد الذاتــي.
4ـ اتجاه الوظائــف السلوكيـــة:
أ ـ ويكسلر : الذكـــاء هو القدرة الكليــة لدى الفرد على التصرف الهادف والتفكيــر المنطقــي والتعامل المجدي مع البيئـة.
ب ـ ستودارد : الذكـــاء هو نشاط عقلي يتميز بالصعوبــة, والتعقيد والتجريد والاقتصاد في الوقت والجهد, والتكيف الهادف والقيمة الاجتماعيــة, والابتكــار وتركيــز الطاقة ومقاومــة الاندفاع العاطفـــي.
5ـ الاتجاه الإجرائي القياسي:
أي أن الذكــاء هو ما تقيسه إختبارات الذكـــاء.
أ ـ بورنج : أن الذكـــاء هو إمكانية الأداء الجيد في إختبار الذكــــاء.
ب ـ سانفورد , رايستمان : الذكــــاء هو خاصيــة مستنبطــة لسلوك الفرد وثابتة نسبياً وهي خاصيــة مرتبطــة بقدرة الفرد على الاستجــابــة بنجاح كثيــير للمشكلات الإداركيــة والمعرفيــة واللفظيــة.
قياس الذكــــاء:
اتجــه الباحثون في أول عهدهم بالقياس العقلــي إلى قياس بعض الإمارات والصفات الجسمية طمعــاً في أن يجدوا في بعضهــا دلائــل على القوة العقليـــة, فبدأ القياس العقلــي بقياس الرأس وأبعاد الجمجمة وما بها من نتوءات بحجــة أن الرأس مستقر العقل,حتــى جاء ( بيرسون) في أوائل القرن العشرين وأثبت أن العلاقـــة بين القوة العقليــة والمظاهــر الجسميــة جد ضعيــفة لا يعتد بــها.
بعد ذلك اتجــه القياس العقلــي إلى تقدير بعض القدرات والصفات الجسميــة البسيطــة كالقدرة على التمييـز الحسي, ودرجــة الحساسية للألم, وسرعـــة الحركـــة, والقدرة على تحمــل التعب, وكانت حجتهم أن القدرة على التمييز الحسي تتوقف على القدرة على القدرة على تركيــز الانتباه, وهذه لها علاقـــة مباشرة بالذكـــاء , كمــا أن حساسيــة الجلد دليل على يقظــة العقل وحدتـــه أي دليــل على الذكــاء.
غيــر أنه اتضح بالتدريج أن الذكـــاء كمـا يعرفه الناس لا يمكن أن يقاس بأمثــال هذه القدرات البسيطــة, فأتجــه الباحثون إلى قياس العمليــات العقليــة العليــا كالتفكيــر والفهم والحكم والتخيــل.
وفي عام 1905م ظهــر أول مقياس حقيقي للذكــاء على يد العالم بينيه, ذلك أن وزارة المعارف الفرنسيــة عهدت إلى لجنــة أن تبحث عن وسيــلة دقيقة للتمييــز بين الأطفال الأسوياء وبين شديدي الغباء والمتخلفين عقليــاً ممن لا يصلحون للدراســة بالمدارس الابتدائــية, وكــان بينيه أحد أعضاء هذه اللجنــة فرأى أنه ليس من الإنصاف أن يعتمد في مهمته هذه على أحكــام المدرسين لأنــها ستكون من دون شك أحكــاماً ذاتيــة منحازة, وعمــل على ابتكار وسيــلة تقيس مستوى الذكـــاء العام لأي طفل كمــا يقيس المتر أطوال الأشياء, وقد اشترك معــه زميــله سيمون , حيث أحتوى هذا المقياس على 130 اختبارا متنوعــاً تختبر العمليات العقلية كالفهم والتفكــيــر والتخيــل, وتتدرج مما هو سهل إلى ما هو أصعب , وقد أطلقا عليــه اسم السلم القياسي.
ثم قام بينيه وسيمون بتنقيح هذا المقياس عام 1908م ثم تناولاه بالتعديل للمرة الثالثة والأخيرة عام 1911م وأصبح يحتوي على 54 اختبارا مقسمين إلى مجموعــات كل مجموعـــة منها تصلح لعمر معين ابتداء من الثالثة وتتكون كل مجموعـــة من أربع أو خمس اختبارات , وقد رتبت ترتيباً تدريجياً يدل على مستوى صعوبتها بحيث يصبح السؤال الأول أسهلها والسؤال الأخيـر أصعبها.
مثال من مقياس بينيه:
من كقياس بينيه ـ سمون لمن أتموا السنــة الرابــعة:
1ـ إذا كان المسئول ذكــراً فأسأله: أولد أنت أم بنت؟ وإذا كانت أنثى فأسألها: أبنت أنت أم ولد؟
2ـ يعرض على الطفل مفتاح, ثم قرش ثم سكين, ويسأل عن كل منها على التوالي بأن يقال له: ما هذا؟ مع الإشارة إلى المفتاح مثلاً.
3ـ سأذكــر 3 أعداد فأصغ إليّ لتذكرها من بعدي: 3,7,5 ويكرر السؤال مرتين آخر يين بذكر أرقام أخرى إن لم يجب الطفل عن السؤال إجابة صحيحة.
4ـ أنت ترى هذين الخطين فقل لي: أيهما أطول؟ يشير الممتحن إلى خطين أفقيين مرسموين أمام الطفل أحدهمــا أطول قليلاً من الآخــر بحيث يكون الأطول تحت الأقصر.
طبقات الذكـــاء:
تدلنــا نسبــة الذكـــاء على أن الفرد ذكــي أو غبــي أو متوسط, لكنــها لا تدلنــا على مدى ما لديه من تفوق أو تأخــر, فنسبة الذكاء إن زادت على 100 كانت دليلاً على أن صاحبهــا فوق المتوسط في الذكـــاء, لكــن هل تشير النسبة 130 مثلاً إلى ذكــاء خارق ونبوغ؟ أم أنها أمر شائع بين الناس؟ وهل النسبة 80 تشير إلى غباء مطبق أم أنــهـا أمر مألوف, ومن ثم فالمدلول الحقيقي لنسبة الذكــاء لدى فرد معين لا يمكن معرفتــه على وجه التحديد إلا إذا درسنــا توزيع نسب الذكــاء بين الناس جميعــاً, وقد طبقت مقاييس الذكــاء على نطاق واسع فدلت نتائجها على أن الذكاء موزع بين الناس توزيعـاً طبيعياً وفق المنحنى الاعتدالي أي أن السواد الأعظم منهم متوسطوا الذكــاء في حين أن النوابغ وضعاف العقول قلة قليلة, وقد اتفق العلماء على أن:
من تزيد نسبة ذكــاءه على 140 يعد ألمعيــاً.
من تكون نسبة ذكــاءه من 120 إلى 140 يعد ذكيــاً جداً.
من تكون نسبة ذكــاءه من 110إلى 120 يعد فوق المتوسط.
من تكون نسبة ذكــاءه من 90 إلى 110 يعد متوسط الذكــاء.
من تكون نسبة ذكــاءه من 80 إلى 90 يعد دون المتوسط.
من تكون نسبة ذكـــاءه من 70 إلى 80 يعد غبياً جداً.
من تكون نسبة ذكـــاءه أقل من 70 فهو ضعيف العقل.
من تكون نسبة ذكـــــاءه من 50 إلى 70 فهو أهوك.
من تكون نسبة ذكـــاءه من 20 أو 25 إلى 50 فهو أبلــه.
من تكون نسبــة ذكـــاءه أقل من 20 أو 25 فهو معتوه.

الذكـــاء والنجاح الدراســي:
يتوقف النجاح في الدراســة على عوامل شتى صحيـة وعقليــة وانفعاليــة واجتماعيــة, والذكـــاء عامــل رئيســي من هذه العوامــل, ولقـد تأكدت فائــدة اختبارات الذكـــاء على نحــو لا يرقــى إليــه الشك في التنبؤ بالنجــاح الدراســي والأكاديمــي بحيــث يميــل كثيــر من العلماء إلى تسميـة اختبارات الذكــاء باختبارات ( الاستعداد الدراســي) أو ( القدرة الأكاديمية).
من ذلك أن الطالب لا يرجــى له النجاح في الدراســـة الثانويـــة إن كان ذكـــاءه دون المتوســط, ولا يرجـــى له نجــاح في الدراســـة الجامعيـة إن لم يكــن ذكاءه فوق المتوسط, كمــا أن النجـــاح في بعض الكليــات يتطلب مستوى ذكــاء أعلى من النجـــاح في كليــات أخرى , فالدراســـة بكليــة الطب أو الهندســـة تتطلب قدراً أكبــر من الذكـــاء اللازم للنجـــاح في كليتــي التجــارة والآداب.
علــى أنــه قد أتضح أن الارتباط بين الذكـــاء والتحصيــل الدراســـي أكثر وأوثق منــه في مراحــل التعليم الأولي من في مراحــل التعليم العليا أو الجامعــي, فمن إحصــاء أمريكــي أن معـــامل الارتباط بين الذكــاء والتحصيـــل الدراســـي هو 0,75 لدى تلاميــذ المدارس الابتدائيـة وانه يتراوح بين 0,60 و0,65 بين تلاميــذ المرحـلـة الثانويــة وأنه ينخفض إلى 0,5 بين طلبــة الجامعـات, فأمـا كون هذه المعاملات جزئيــة فيشير إلى أن التحصيــل يتأثــر بعوامــل أخرى غيـر الذكــاء, وأمــا انخفاضــها بتقدم المراحــل التعليميـة فالمرجح أنـه يرجع إلى أن التحصيـل في الجامعــة يتوقف إلى حد كبيــر على الاستعدادات الخاصـة وعلى الميول والاهتمامـات والاتزان الانفعالــي للطالب, أو لأن بعض الأذكيــاء الممتازيــن ينصرفون عن التحصيــل إلى نواح أخرى, ومهمـا يكن من الأمـر فالأرقـام السابقـة تشيــر إلى أن التنبؤ بالنجــاح الدراســي على أساس اختبارات الذكـــاء أصدق وأقـل عرضــة لخطــأ في مراحـل التعليم الأولــى , ومع هذا فقد أجريــت اختبارات ذكاء في الولايــات المتحدة على آلاف مؤلفــة من المتقدميــن للجامعــات فظهــر أن المتفوقيــن في هذه الاختبارات يتفوقون في دراستهم الجامعـيـة , وأن من تكون نتائجهم فيـها غيـر مرضيـة يفشلون في دراستهم الجامعــية أو يجتــازونــها في عســر, وهذا يعني أن نجــاح الطالب في الدراســة الجامعيــة يمكــن التنبؤ به بدرجــة كبيرة من الدقــة على أساس نجاحــه في إختبــار ذكــاء يجرى عليــه قبل دخول الجامعــة , وأكبر الظن أننـا لو أجرينــا عليـه إلى جانب اختبــار الذكــاء اختبـاراً يقيـس استعداده الخاص للدراســـة في الكليــة المعينــة التـي يريـد الالتحـاق بهـا لخفضنــا إلـى حد كبيــر عدد من تلفظهــم الكليــات في سنواتــها الأولــى, وممــا يستأنس بذكـــره هنـا أن الاختبار الشفوي الشخصــي الذي تعقده بعض الجامعــات لانتقاء طلابــهـا قد فشــل فشلاً ذريـعـاً في التنبؤ بنجــاح الطالب أو تعثره في الدراســة الجامعــيـة.
الذكـــاء والنجــاح المهنـي:
يقتضـي النجـاح في المهن والأعمــال المختلفــة نسبــاً مختلفــة من الذكــاء, فالمهــن التي تتطلب التخطيط والتصميم والحكــم والابتكــار والدهاء وسعــة الحيـلة, أو التــي تتطلب أشخاصــاً يستطيعون العمــل دون إشراف دقيق عليهم, يتوقف النجـاح فيـها على قدر كبيــر من الذكــاء على تفاوت واختلاف في المقدار.
غيـر أن النجـاح في بعض المهن يتطلب من القدرات والاستعدادات الخاصــة أكثــر مما يتطلبــه من الذكــاء العام, فقد يكون نصيب الفرد من الذكــاء كبيــراً لكنــه يعجـز عن النجــاح في الأعمــال الميكانيكيــة أو الحركيـــة أو إجــادة الرسم والعزف والغنــاء أو الرقص إن كانــت استعداداته الخاصـــة في هذه النواحــي ضعيفــة, وقد يكون ذكــاءه متوسطــاً أو دون المتوسط لكنــه يتفوق في هذه النواحــي إن كانت استعداداته الخاصــة لهـا قويــة, وهنــا تكون اختبارات الذكــاء محدودة الفائــدة في التنبؤ بالنجــاح.
بل أن الذكــاء الرفيــع قد يكون ضــاراً ببعض المهن كالمهن الرتيبـة البسيطـة التي لا تتطلب تقديراً وتفكيـراً , وقد دل التجريب على أن ذوي الذكـــاء المرتفع أكثــر عرضــة للمـلل من غيرهم, تضجرهم الأعمــال التكراريــة التي لا تنوع فيــها , فإن مارسوهــا زادت أخطاؤهــم وكثرت حوادثهم ولم يبلغوا بهــا حد الاتقان, في حين أن أصحــاب الذكـــاء المنخفض يرتــاحون بوجــه عام إلى أوجــه النشاط التي تجري على وتيــرة واحدة.
كمــا وجد أن هنــاك صلــة بين ذكــاء الفرد وترقيــته في وظيــفته, فذوو الذكـــاء المنخفض ينزعون إلى البقـاء في مناصبهم الدنيــا, في حيــن يرقــى الأذكـيـاء إلى مناصب أعلــى, هـذا ما أتضح في الأعمــال الكتابيـة والمكتبيــة بوجه خاص.
وقد أتضح أن هنــاك ارتباطــاً وثيــقـاً بين الذكـــاء وحسـن اختيار المهنـة, وهذا ليس بمستغرب, فالذكـــي أقدر على فهم نفســه والحكــم على قدراتــه وميولــه وعلى ما تتطلبــه المهن المختلفــة من قدرات, وصفــات, كمــا أن مستوى طموحــه لا يكون في العادة مسرفــاً في البعد عن الواقع.
من هذا نرى ما لاختبارات الذكــاء من قيمــة كبيــرة في كثـيـر من النواحــي المهنيــة والصناعيــة وقد كان هذا مما يجع علمــاء النفس على الاستمرار في تحسيــن هذه الاختبارات وجعلهـا أكثـر صلاحيــة لقياس الذكــاء من الاختبارات التي ظهرت في مطلع حركــة القياس العلمــي.
ولابــد أن يقترن في كثيــر من الأحيـان اختبار الذكــاء باختبارات للقدرات الخاصـة في عمليتي التوجيــه والاختيار المهنــي ذلك أن النجــاح في بعض المهن يتطلب من القدرات الخاصــة أكثر مما يتطلبــه من الذكـــاء العام.
اختبارات الذكــــاء:
يشدد علمــاء القياس على القول أنــه طالمــا لا توجد ( بدائـل ثابتة) بين أيدينـا فإن اختبارات الذكــاء هي من أدق وأفضــل أدوات التقييم والتشخيص بين أيدينـا, وتطبيقاتها العمليــة أصبحـت هائلـة وكثيـرة في شتى ميادين الحيـاة وعلى وجـه التحديد في مجالات الإرشــاد والتوجيــه.
ولا يسعنــا إلا أن تعترف بقيمــة هذه الاختبارات وأهميتهـا وفوائدهـا ولكــن هذا لا يعفينــا من بيان قصورهـا وعجزهــا والمطالبــة بتطويرهـا ورفع صدقهــا وثباتهـا مع الأيام, والقول بأن مخاطرها لا تقل عن فوائدهــا لاسيمـا حين نفسرهــا بشكلهــا الحرفـي, متجاهلين أبعاداً ديناميـة كثيرة غير مرئيـة في سلوك الإنسان وكامل شخصيتـه, وأصبح معلومــاً لدى معظم المدرسيـن والاخصائيــن على ضوء ذلك, بأن نتائج اختبارات الذكـــاء تستخدم ( كوسيـلة) لتساعد المختصين على فهم كل تلميذ ( بالحدود) التي تقيسه وتدل عليـه اختبارات الذكـــاء.
واختبارات الذكـاء كثيرة ومتنوعــة ومنـها الاختبارات التي تعتمد على اللغــة والاختبارات العمليـة التي تتطلب طريق الخروج من متاهـة أو وضع قطع مختلفة الأشكال في أماكنها المناسبة في لوحـة معينة وغيـر ذلك من الأعمال المشابهـة, وقد تكون فرديـة أي تطبق على أفراد متفرقين في وقت واحد ويجريها باحث واحد, وقد تكون جمعية أي تجرى على مجموعــة من الأشخاص في وقت معين ويجريها باحث واحد , والاختبارات الجمعيـة قد تكون لفظية أو غير لفظية وإن كان الكثير منها يتضمن النوعين معاً.
وقد أوردت صور من إختبارات الذكــاء بآخـر البحث.. من كتـاب ( المدخل إلى علم النفس) لعبدالله عبد الحي موسى أستاذ علم النفس المساعد بكليـة التربية ببنها بمصر, يوضح فيــه أنواع اختبارات الذكــاء مع صور توضيحيـة.
الذكاء وآثاره في التحصيل الدراسي
مفهوم الذكـاء أقدم في نشأته الأولى من علم النفس ومبـاحثه التجريبية,فقد نشـأ في إطار الفلسفة القديمة,ثم اهتمت بدراسته العلوم البيولوجية والفسيولوجية العصبية,واستقر أخيراً في ميدانه السيكولوجي الصحيح الذي يدرسه كمظهر عقلي من مظاهر السلوك الذي يخضع للقياس العلمي الموضوعي,ومازالت آثار هذا الماضي الطويل تضفى طابعها الخاص على بعض المعاني الشائعة لمفهوم الذكاء .
وعندما نجحت وسائل القياس العقلي,أعانت العلماء على تحديد المظاهر الرئيسية لهذا المفهوم,وبذلك تطورت معاني الذكاء حتى أصبحت فروضاً تهدف إلى رسم الإطار التمهيدي للأبحاث العقلية,ثم تعدل هذه الفروض أو تلغى لتستبدل بفروض أخرى تبعاً لنتائج تلك الأبحاث,وهكذا ينتهي بنا ذلك التطواف في رحاب الزمن إلى تحديد المفهوم الحديث للذكاء تحديداً يقوم في جوهره على أنه موهبة المواهب,وقدرة القدرات,والمحصلة العامة لجميع القدرات العقلية المعرفية..
الذكاء والتحصيل الدراسي (Academic Achievement)
إذا كان أهل الاختصاص في مجال الذكاء المعرفي قد درجوا على الاهتمام بتحديد بما يسمونه بالعمر العقلي,فإن خبراء علم النفس الأكاديمي (العلمي) قد يهتمون بدورهم بتحديد العمر التحصيلي (ع . ت) ,عند محاولتهم سبر أغوار ما يسمونه بالذكاء الأكاديمي,وكما أنه كلما زاد العمر العقلي على العمر الزمني للفرد تحسنت نسبته الذكائية,فإن زيادة عمره التحصيلي على عمره الزمني تؤدي بدورها لارتفاع نسبته التحصيلية,وذلك وفقاً للمعادلة التالية :
نسبة التحصيل (ن . ت) = العمر التحصيلي ( ع . ت ) ÷ العمر الزمني ( ع . ز ) × 100 %
وقد تؤدي عوامل مختلفة لتحسين القدرة الأكاديمية العامة والعمر التحصيلي للفرد منها:
1) المثابرة الأكاديمية.
2) نوع التخصص الأكاديمي.
3) مدى نجاح الفرد في تنمية المهارات الأكاديمية.
4) مستوى الدافعية التحصيلية (حافز التحصيل).
5) مدى تحقيقه للمواءمة الاجتماعية.
6) مدى قدرته على تحقيق الإسراع التعليمي (اختصار سلم التعليم).
7) مستويات الذاكرة – لا سيما التذكر المنطقي / الارتباطي.
8) مستوى الانتباه ومداه.
9) مجال التركيز.
10) القدرة على التصور العقلي.
11) نوع المبادئ السلوكية.
12) مدى الخبرات التربوية والابتكارية.
13) القدرة على التعبير.
14) مدى قدرات التعليم الاستيعابي,التحليلية,التركيبية,التطبيقية,والتقويمي ة.
15) مُحصَّلة السرعة الإدراكية.
16) مستوى الأداء العقلي المعرفي العام.
17) مدى السيطرة في العوامل المتحكمة في سيكولوجية الأداء.
18) عوامل تكوُّن الشخصية,وأبعادها ونموها.
19) مدى الاستقرار ونوع الإرشاد الأسري.
20) نوع الصداقات.
21) مدى تحمل الإحباط والفشل.
22) التربية الصحية العامة.
23) الصحة الانفعالية والنفسية.
24) التأثير الوراثي والبيئي العام.
25) طرق التدريس.
26) كفاءة ( فعالية ) المعلمين.

27) وسائل التعليم.
ومما يجب التنبيه إليه عندما نحاول سبر أغوار طبيعة العلاقة بين الذكاء والتحصيل الدراسي,أن اختبارات التحصيل قد تمثل مجرد معايير عامة تستخدم لقياس الإنجاز الدراسي ( التحصيل الأكاديمي ) .
ولكن ليس بالضرورة أن تشير السجلات والمقاييس التحصيلية إلى المستويات الذكائية الحقيقية للأفراد. وعلى سبيل المثال,فإذا كان برنامج المنهج يشجع الطلاب على الحفظ,ولا يساعدهم على تنمية المهارات الأكاديمية المثالية والمتكاملة,وكانت طرق التدريس هي الأخرى طرق تقليدية تلقينية استظهارية,فإن حصيلة التعلم العقلي قد لا تتضمن التفكير وإعمال العقل, وقد تكون مجرد انعكاسات للتعلم بدون فهم ( حفظ مجرد عن ظهر قلب ).
ولعل الانتقال الموجب لأثر التعلم قد يستلزم حدوث التعلم بالوحدات الكلية من خلال:
1) تحسين مادة التعلم.
2) تطوير أساليب التدريس.
3) ترقية كيفيات التفاعل الاستيعابي الصفي.
4) رفع مستويات الخبرات التعليمية.
5) تعلم المعلمين أنفسهم مهارات التعلم.
6) تدريبهم على استخدام أساليب التعزيز المتجانس
.
وعندما تكتمل هذه العناصر فنستطيع عندها أن نقرن عناصر النجاح الدراسي بما نسميه بالذكاء الأكاديمي.
وقد لا نحتاج للقرائن الكثيرة المؤكدة لارتباط المستوى الدراسي العالي المبني على المهارات والخبرات الأكاديمية الراقية,بالتفكير الإبداعي والقدرات العقلية الابتكارية المتميزة.
فقد أثبت بيناجيس وجوزيفا [1987] ( L. Benaches and M. Josefa )
أن عدم الثفة في المكانيات الذاتية يمثل أهم المشكلات التي تعوق التحصيل الأكاديمي في بداية المرحلة الجامعية,وأن التركيز على الجوانب الأكاديمية النظرية المجردة لا يساعد كثيراً في حل هذه المشكلة.
كما وأثبت فرانكلين وريتشاردز [1976](Franklin, B. S., and Richards)
أن طرق التدريس المصممة لتحسين التفكير الابتكاري تساعد في ترقية الأداء الأكاديمي,وفي تنمية المهارات اللغوية,على حدٍ سواء.
وقد كان الهدف من قياس الذكاء هو اكتشاف أهم العوامل التي تحدد مستويات النجاح في الدراسة أو في المهنة,أو في الحياة بوجه عام.وقد أمكن تحديد الصلة الوثيقة بين الذكاء والنجاح.ولكن هذه الصلة لم تفسر لنا كل ما كنا نهدف إليه.وقد دلت الأبحاث المتواترة على أن الذكاء من أهم العوامل التي تحدد مستويات هذا النجاح.لكنه ليس هو العامل الوحيد.إذن فالذكاء وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة النجاح,لأنه ليس كل ما يحدد حياة الفرد.فالفرد يخضع في حياته لكل مكونات شخصيته,وكما يخضع النجاح لمستوى ذكاء الفرد,فهو يخضع أيضاً لمستوى طاقته البدنية,واتزانه الانفعالي,واتجاهاته النفسية .
ولقد كان للنجاح الفائق الذي أحرزنه مقاييس الذكاء منذ أوائل هذا القرن حتى الآن أثره الإيجابي على خصوبة الأبحاث التي تصدت لدراسة ظاهرة الذكاء.وبذلك طغى هذا النجاح على النواحي الأخرى للشخصية.وعندما اتجه العلماء لدراسة الجوانب الأخرى للشخصية,وجدوا أنفسهم أمام ميادين شائكة لا تستجيب بسهولة ووضوح التي أثمرت ثمراتها الفعالة في دراسة الذكاء.
وقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة في العالم العربي أن فهم خصائص النمو العقلي,وطرق التفكير الابتكاري قد يمثل حجر الزاوية لتحديث المناهج الدراسية بشكل يجعلها تواكب الطفرات التعليمية العالمية.وما اشد الحاجة للتحديث في عصر صار مرادفاً للعولمة والشمولية والمتغيرات المتسارعة والتقنيات الحديثة الدائمة التجدد.وبرغم هذا فيجب أن لا تنسينا هذه الحاجة المتزايدة للتحديث مخاطر التقليد الأعمى,ومشكلات الدخول في (ما يسميه بعض علماء النفس الإسلاميين المعاصرين) جحر الضب.,إن الثقة فيما عندنا من تراث إسلامي أصيل هي المعيار الأمثل لقبول أو رفض ما لدى غيرنا

  المراجع

  المدخل إلى علم النفس , عبدالله عبد الحي موسى
  أصول علم النفس , أحمد عزت راجح
  اختبارات الذكـــاء والقدرات العقليــة , د. عطوف محمود ياسين

  الذكـــاء - الدكتور فؤاد البهى السيد
 اختبارات الذكاء والقدرات العقلية بين التطرف والاعتدال - الدكتور عطوف محمود ياسين
  الذكاء دراسة نقدية من منظور إسلامي - الدكتور هشام عثمان خوجلي

 

  الصفحة الرئيسية